
أحمد الجارالله
الخطاب الإعلامي لحزب الله هذه الأيام مازال تحشيدياً وتلفيقياً في بعض الأحيان, وملتزماً بتوجهات الخطاب الذي كان سائداً أيام حرب 1967 التي انتهت بالهزيمة.
... هذا الخطاب يضحك على عقول الناس, ويستهين بقوة العدو, ويهمش ما يقوم به من أعمال تدميرية, ويستنهض حتى الركام الذي أصبح حقيقة كالمخرز يخترق العيون.
ما يقال الآن لتبرير الهزيمة أمام المعتدين الإسرائيليين »لقد استشهدنا وهاماتنا مرفوعة«, أو »لقد آثرنا الموت على الركوع«... وهذا التبرير يمثل إلقاء للناس في التهلكة, وفوق ذلك فإن كل ما نسمعه في هذا السياق التضليلي أن العدو الإسرائيلي لم يحقق شيئاً, رغم مرور 20 يوماً على عدوانه العسكري, بينما حقق في الواقع كل شيء, إذ دمر لبنان ودفن شعبه وأطفاله تحت الركام, وقضى على بنيته التحتية وعلى عمائره ومبانيه, وقتل المئات من رجال »حزب الله« موجودة أسماؤهم لدى من يهمه الأمر من الدول, وجرح منهم الآلاف.
القول إن العدو الإسرائيلي فشل في حملته العدوانية ولم يحقق شيئا ضحك على الذات, وخداع للنفس وتحريض للناس على أن يموتوا, وأن موتهم لا يهم طالما أن هاماتهم بقيت مرفوعة.
مع الأسف نحن نضحك على شعوبنا عن طريق صياغة الوهم ونسج الأحلام, ويأتي بعض المأفونين منا ليورطوا دولاً عربية أخرى ويجرونها إلى حروب ومغامرات, وإذا لم يتورط زعماء هذه الدول جراء التحريض توجه إليهم, وهم الحكماء تهم الانبطاح والانهزامية, وتوفير التغطية لإسرائيل لمواصلة جرائمها في لبنان. وفي السياق الغوغائي ذاته عاد أغلب الفضائيات العربية إلى ذات البرامج التحشيدية والتضليلية التي سبق ورافقت الغزو الاميركي للعراق عام ,2003 وباعت الناس الكثير من الانتصارات الوهمية, والتوقعات الخنفشارية بأن الأميركيين سيذبحون في العراق, وستقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف على أسوار بغداد... هذا الخطاب الكاذب عادت الفضائيات في أغلبها الى إحيائه وجعله مرافقاً للعدوان الاسرائيلي على لبنان, محتوياً على ذات التوقعات الوهمية.
في هذا الجو المحتقن بالأكاذيب وخداع الناس تنعقد القمة الروحية في لبنان بحضور زعماء الطوائف جميعا, وتصدر بيانا عقلانياً وواقعياً ومتجاوزاً لمواقف السياسيين المجاملين والمخادعين, يدعو الى بسط سيطرة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وإلى حقها كطرف وحيد, في احتكار السلاح وامتلاك قرار الحرب والسلم وفي مسؤوليتها عن مصير البلد ومستقبل أبنائه.
هذه القمة التي جسدت الإرادة الواحدة لمختلف الأطياف الدينية للشعب اللبناني وضعت »حزب الله« أمام خيارين لا ثالث لهما: إما يستسلم لإسرائيل وإما يستسلم لدولته اللبنانية, وعبر هذين الخيارين هناك مخرج وحيد أمام الحزب, وهو مخرج الانصياع للدولة من أجل التخلص من هذه الورطة التي أوقع شعبه بها, وقاده بسببها إلى الارتطام بالجدران والحوائط المسدودة.
لقد كنا نتصور ان مجزرة الاطفال في قانا ستغير مسار العالم وتجدد تفكيره, وتدفعه عبر مجلس الامن إلى إصدار قرار بوقف إطلاق النار, أي وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان, لكن تصورنا لم يتحقق, وكأن للعالم مرئيات أخرى بعيدة عن التأثر بوقائعنا العاطفية فشهدنا هذا العالم في مجلس الأمن يتجاوز المجزرة ويهدد إيران بمهلة شهر للامتناع عن تخصيب اليورانيوم والتوقف عن برنامجها النووي, مكتفيا بالإشارة الأخلاقية وبأن الحرب قذرة لكنها تداوي الداء بالداء.
المهم الآن أن نرى الواقع ولا نلهث وراء ما نتمنى ونشتهي, وأحياناً يكون السراب.. العدوان على لبنان ما كان يجب أن يقع, أصلاً, والكلام الذي نسمعه من داخل لبنان وخارجه, والمتعلق بالانتصار, وبالقول إن إسرائيل لم تفعل شيئاً, وبالاستهانة بالعدو, وبالموت المطلوب له أن يقع بشروط الهامات المرفوعة, وبأقوال وزير الخارجية السورية, المعلم في الهذر وإشاعة الاحقاد, وبث النوازع الانتقامية, بأن لبنان قد يتحول إلى عراق آخر, وبأن رجال تنظيم »القاعدة« سيتسللون إليه... ونخشى أن يتسللوا من سورية كل هذه الأقاويل تصب في مجهودات صناعة الأوهام, وإطلاق ما في النفوس المريضة من مشاعر شامتة وانتهازية, لا صلة لها بالواقع, فلبنان الذي دمرته إسرائيل لن يستطيع النظام السوري أن يتواجد فيه ثانية, لافتقاده نهائياً لدوره الاقليمي, حتى في مواجهة تل أبيب ومسؤولية تحرير الجولان, ولاختلاف لبنان عن العراق الذي تجلت وحدة شعبه عبر القمة الروحية وتماسك مكونات هذا الشعب, ورفضه العودة إلى الحرب الداخلية التي أشعل النظام السوري حرائقها وانفضح أمره بعد ثلاثين سنة وأجبر على الخروج من كل الأماكن التي كان يحتلها في لبنان.
مرة ثانية نقول إن الاستهوان بإمكانية العدو الاسرائيلي هو الذي أوصل هذا العدو إلى تدمير مصر وسورية ولبنان, الذي مازال تحت التدمير, وهو الذي دفعنا إلى المناورات الخطيرة التي تحيل فشلها على أميركا ووقوفها بجانب إسرائيل, وتمنعنا من التساؤل مادمنا نعرف أن أميركا مع إسرائيل فلماذا نضع أوطاننا في مواجهات غير محسوبة معها, نتلقى في إثرها الهزائم وخرائب البيوت?!
* نقلا عن جريدة "السياسة" الكويتية
عزيزي عضو الشاملة قل رايك في المقال بكل صراحة وبتعقل ودون انفعال ؟
بوهيثم