كان عالماً وطالباً للعلم، يسهر الليالي في البحث تارة وفي العبادة تارة أخرى، غير أن التوفيق في الكسب العلمي وخاصة في جانب الإبداع بطيئاً متلكأ، وهذا يعود بدرجة ما لضعف الفهم والاستيعاب الحقيقي للمادة العلمية، وفي يوم من الأيام حدث له موقفٌ كشف له السبب الرئيسي وراء انحسار التوفيق الإلهي له في مضمار طلب العلم. ففي ذلك اليوم رجع الرجل منهكا، وكان يتوق لأخذ قسط من الراحة ويمنّي نفسه بنوم هانئ، خاصة وإنه على موعد مساء اليوم مع ندوة علمية تجمع العديد من كبار العلماء وقد أوكل له محور مهم فيها.
دخل صاحبنا غرفته، وقبل أن يدخل وكعادته وزّع على عائلته فرداً فرداً تحذيراته بعدم إحداث ضوضاء أو إزعاجه.وضع رأسه على المخدة، وما كاد يغفو هاجعاً في لذة المنام حتى يسمع صوت طفله الأصغر يفتعل ضجيجاً وأمه تنهره فلا ينتهر، حينها خرج صاحبنا من الغرفة والشرر يتطاير من عينيه.
ما إن رأى الطفل الصغير والده متجهاً نحوه بتلك الحال حتى هرول هارباً، فجرى خلفه ينوي الإمساك به، غير أن الطفل كان يفلت في كل مرة والرعب يملأ جوانحه، كيف لا وقد شاهد سابقاً ما حدث لأخيه من ضرب مبرّح. في تلك اللحظات ركض الطفل في حديقة المنزل، ولمّا أحس بأن والده قد حاصره ولا فرصة أماه لكي يفلت، حدث المنعطف الذي غيّر هذا الأب.. فماذا حدث؟
الرعب يملأ قلب الصغير، وفي لحظات من الحيرة استدار فجأة نحو أبيه وهو يبكي بصوت يفتت القلب وهرول ليرمي نفسه في حضن والده.نعم ..فهو ما زال طفل لا يعرف أحدا أقوى من أبيه ينقذه منه، فمنه المهرب وإليه الملجأ.. وهو لا يرى سوى أبيه رازق له ومنعم عليه..
كانت المفاجأة قد استحوذت على فؤاد الأب، وتغيّر لون جلده، واقشعر بدنه وهو واقف وطفله بقامته التي لا تصل حتى نصف طوله حاضناً إياه بكل قوة وهو يجهش باكياً.تسمّر الأب وهو يضع يديه على ظهر طفله، وحين شعر بجسم طفله يرتعش، شعر بوخز الضمير، وكم هو غافل.. سقطت دموعه لتبلل لحيته وهو يخاطب نفسه مؤنبا لها، جفف دموعه وحمل طفله إلى الداخل دون أن ينبس ببنت شفة. دخل غرفته وهو يتأمل ما حدث، ويسخر من غفلته طيلة هذه السنوات.
كان يحدّث نفسه، لو كان مكاني أمير المؤمنين عليه السلام، كيف سيكون موقفه من مشاكسة عياله، وما هي ردّة فعله تجاه المواقف التي يمكن أن تصدر من أهله؟ آه.. كم هو جميل تحمّل الأذى في جنب الله تعالى، واستحضار صورة البحث عن رضاه في كل فعل وقول، أوليس أولى الناس باستحمال أذاهم هم الأهل والعيال؟ خاصة عندما ينم عن جهل ولا علاقة له بالحب والبغض. كم تساوي لذّة الصبر على ما يؤذي ما دامت بعين الله وفيها رضاه جل وعلا.
منذ تلك الساعة، فتح الله لهذا العالم أبواب العلم واختصر عليه المسافات، ومتّعه بحقيقة المناجاة والعبادة، فكل ما قام بعمل راقب الله فيه وسأل الله أن يكون لوجهه الكريم منتظراً من الرب مزيداً من التوفيق.. وهكذا كان.