الوردة المشتاقةُ السكرى بأنداء الربيع
وشّت خيوطُ الفجر وجنتها بمنظرها البديع
وتسلل الشفقُ الشغوفُ إلى وثير مهودها
فرمى بمئزره الشفيف هناك بين نهودها
واستلّ من أطيافه لُمعاً تضيء مشى بها
يضفي على وجناتها من سحرهنّ مشابها
وتألق الألقُ المشع سناهُ يجلو حسنها
فتجمّعت أترابُها من حولها يَحْرُسنها
وسرى النسيم مرفهاً والمرجُ يحمل سوسنه
يشدو فتهتز الأزاهرُ يسرةً أو ميمنه
وهفت على أرجوحة القمر السنيّ جميعُها
يكتمن وشوشةَ النسيم لهنّ وهو يُشيعها
والبدرُ فضّاح السرائر نمّ عن سر الزهور
أفشى خبيء غرامهنّ بفتنة الألق الطهور
فبدت هنالك بينهن معالمُ الخجل الجميل
وخفرن واستحيين واستخفين في الظل الظليل
وجرى النسيم مفتشاً ومنقباً ومعابثا
عربيدُ يولع بالحسان مجانةً وتخابثا
قبلاتهُ انتثرت على وجناتهن وما اكتفى
حتى أحاط بمثلهن وضمهن ملهّفا
فسكرن منه وهن بالعطر الشذي سقينهُ
أظمأنهُ شغفاً وبعد هنيهةً روّينهُ
وبدا الخميلُ كمرقصٍ جاشت جوانبهُ وماج
والراقص النشوان يهتفُ بالأزاهر في اهتياج
النغمةُ السكرى تميلُ به إلى المهدِ الوثير
فانساق تدفعهُ الغوايةُ فوق أمواه الغدير
حتى إذا بلغ النهايةََ وهو يرفل في الوشاح
أغفى على صدر الصباح تذيبهُ شمسُ الصباح
وتثاءب العصفورُ من وكناته اليقظى وطار
يهبُ التحيةَ عذبةً نشوى لأزهارٍ عطار
والبلبلُ الصداح خفّ محلقاً ومرفرفا
وشدا فكاد الروض من طربٍ له أن يهتفا
ودنا من الخد المنضّر والملون بالشفق
قلب على تلك المغاني بالأزاهر قد خفق
وانسابَ في حذرٍ يجاذبها أحاديثاً عذاب
عطريةً فضيّةَ الرنات كالسحر المذاب
يا زهرةَ الروض البهي وفتنة الفجر الرقيق
ياقبلةَ الحب السني ودميةَ الشفقِ العقيق
ماذا وقوفك والربى ملأى بمختلف الفتون
والجو مؤتلقٌ بهي النور ذو صدرٍ حنون
إني لأوشك أن أحلق فوق أجواز الفضاء
مابين أمواجٍ من الأنوار فاتنةٍ وضاء
تتراقص الأنغامُ من شدوي على الأفق الرحيب
كعرائس الأحلام حين ترف في قلب الحبيب
وأرى الوجودَ هناك منطلقاً يزيد عن الحدود
لا كالحياة هنا تضيّقها دهاليز السدود
ومضى وخلفها على حالٍ من الشوق العميق
ترنو إليه مشوقةَ الأنظارِ تكتشف الطريق
حتى إذا ماغاب في الجو انطوت متناومه
واستغرقت في لجة الأحلام حيرى هائمه
تتصارع الرغباتُ في أكمامها وتهيجُها
ويكاد يستبق النسيمَ إلى الفضاء أريجُها
وعلى شفيفٍ من سنا الأحلام رفاف الجناح
رفّ الخيال يطوف بالذكرى على متن الرياح
يسري بها مترفقاً ومهدهداً ومرنحا
وكأنها طيرٌ يطوّف بالجواء مجنحا
وتلقف الأفق المرنحُ عطفَها اللدنَ الرشيق
كالعاشق المشتاق خفّ ضحىً ليحتضن العشيق
والشمسُ تبتعث المذهبَ من أشعتها الوضيء
ينساب بين عروقها فتكاد من ألقٍ تضيء
وتطل في مسرى الخيال على الحقول على المياه
وعلى المساكين الحيارى في متاهات الحياه
فتحس في أكمامها لوناً من الزهو الخفيف
إذ كل شيء ضمها في نشوةٍ ضمَّ اللهيف
وتمايلت , وتخايلت مزهوّةً فوق الربى
وتطايرت فرحاً وقد سكرت بأحلام الصبا
وإذا بريحٍ صرصرٍ هوجاء َ عاصفةٍ تدور
مجنونةَ الروحات والجيئات ترهبها النسور
واهتزت الأنسام بالضيف المعطّر مائجه
وهوى الجمال الغض تدفعه الرياح الهائجه
واستيقظت جزعاً على صوتٍ يرن أمامها
وإذا يدٌ تنسل قاسيةً تهزّ قوامها
وتفرعت أوراقها الغفواء في خدر الهوى
لترى فجيعتها المخوفةَ في شبابٍ قد هوى
وهناك في أحضان فاتنةٍ منعمّة الشباب
نام الجمالُ مفارقاً دنيا كحلم أو سراب !!