اهتمام النبي (ص) بتربة كربلاء
قلت : أما في كتب علمائنا المحدثين ونقلة الأخبار والروايات فقد ورد الكثير عن إئمة أهل البيت عليهم السلام وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تقديس تربة كربلاء واهتمامهم واعتنائهم بها وهم قد رغبوا شيعتهم بالسجود عليها وفضلوها على سائر التراب ، وكلامهم سند محكم لنا ودليل أتم للعمل بدين الله عز وجل .
وأما الروايات المنقولة في كتبكم فكثيرة أيضا ، منها : كتاب الخصائص الكبرى للعلامة جلال الدين السيوطي ، فقد ذكر روايات كثيرة عن طريق أبي نعيم الحافظ والبيهقي والحاكم وغيرهم ، وهم بالإسناد إلى أم المؤمنين أم سلمة وعائشة ، وأم الفضل زوجة العباس عم رسول الله (ص) وابن عباس وأنس بن مالك وغيرهم ، ومن جملة تلك الروايات قول الراوي : رأيت الحسين في حجر جده رسول الله (ص) وفي يده تربة حمراء وهو يشمها ويبكي ، فقلت : ما هذه التربة يا رسول الله؟ ومم بكاؤك؟ فقال (ص) : كان عندي جبرئيل فأخبرني أن ولدي الحسين يقتل بأرض العراق ، وجاءني بهذه التربة من مصرعه . ثم ناولها لأم سلمة (رض) وقال لها : أنظري إذا انقلبت دما عبيطا فاعلمي بأن ولدي الحسين قد قتل .
فوضعتها أم سلمة في قارورة وهي تراقبها كل يوم ، حتى إذا كان يوم عاشوراء من سنة 61هجرية فإذا بالتربة قد انقلبت دما عبيطا ، فصرخت : واولداه واحسيناه . وأخبرت اهل المدينة بقتل الحسين (ع)(30).
ولقد أجمع علماؤنا أن أول من اتخذ من تراب كربلاء ـ بعد استشهاد أبي عبدالله الحسين سيد الشهداء وأنصاره وصحبه السعداء الشهداء الأوفياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ هو الإمام السجاد زين العابدين ، إذ حمل معه كيسا من تلك التربة الزاكية الطيبة ، فكان يسجد على بعضها ، وصنع ببعضها مسباحا يسبح به . وهكذا فعل أئمة أهل البيت(ع) من بعده ، وهم أحد الثقلين ، فيلزم الإقتداء بهم والأخذ بقولهم لقول النبي الكريم (ص) : إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، وهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
فالتمسك بهم وبقولهم وفعلهم أمان من الضلال وموجب لدخول الجنة معهم إن شاء الله تعالى.
ولقد روى شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي رضوان الله تعالى عليه ، في كتابه مصباح المتهجد ، بأن الإمام الصادق جعفر بن محمد (ع) كان يحمل معه شيئا من تربة كربلاء في منديل أصفر، وكان وقت الصلاة يفتح ذلك المنديل ويسجد على تلك التربة ، وكان يقول : إن السجود على تراب قبر جدي الحسين (ع) غير واجب ولكن أفضل من السجود على غيره من بقاع الأرض . وهذا رأي جميع فقهاء الشيعة بلا استثناء .
فكانت الشيعة أيضا تحمل من تراب كربلاء في مناديل معهم ، فإذا صار وقت الصلاة فتحوا المنديل وسجدوا على التراب الذي فيه ؛ وبعد ذلك فكروا بصنع قطعات يسهل حملها ، فمزجوا تراب كربلاء بالماء وجعلوا منه قطعات من الطين اليابس تسهيلا لحمله ونقله فكل من أحب يأخذ معه طينة يابسة يحملها معه فإذا صار وقت الصلاة ، وضعها حيث يشاء فيسجد عليها ، وهو من باب الفضيلة والإستحباب ، وإلا فنحن نسجد على كل ما يطلق عليه اسم الأرض ، من الحجر والمدر والتراب والحصي والرمل من كل بقاع الأرض .
والآن فكروا هل يصح منكم ـ وأنتم علماء القوم ـ أن تهاجموا الشيعة المؤمنين ، لأجل سجودهم على تراب كربلاء ؟ فتلبسوا الواقع على أتباعكم ، فيظنون بأن الشيعة كفار ومشركون ، يعبدون الأصنام ، ومن المؤسف أن بعض علماء أهل السنة أيضا يماشي عامة الناس ويؤيدهم من غير أن يتحقق في الموضوع ، ليعرف ما هو دليل الشيعة على عملهم وما هو معنى ومغزى سجودهم على الطينة اليابسة ؟!
ولو كان علماء العامة يحققون في ذلك لعرفوا أن الشيعة أكثر خضوعا وأكثر تذللا لله عز وجل ، إذ يضعون جباههم ـ وهو أفضل مواضع الجسم ـ على التراب الذي يسحق بالأقدام ، يضعون جباههم عليه خضوعا لله وعبودية له سبحانه ، وهكذا يتصاغرون أمام عظمة الله تعالى ويتذللون له عز وجل .
فالعتب على علماء العامة إذ يتبعون بعض أسلافهم في إثارة التهم والافتراءات والأكاذيب على الشيعة بغير تحقيق وتدبر ، فنحن ندعوهم إلى التفكر والتعمق في معتقداتهم ومعتقداتنا ، ونطلب منهم بإلحاح أن يحققوا المسائل الخلافية بيننا وبينهم ، فيعرفوا دلائلنا ، لعلهم يجدوا الحق فيتبعوه .
كما نؤكد عليهم أن يمروا بفتاوي أئمة المذاهب الأربعة ، ليجدوا سخافة الرأي وغريب النظر فيها من قبيل جواز نكاح الأم ، ونكاح الولد الأمرد في السفر ، أو المسح على العمامة والخفين في الوضوء والوضوء بالنبيذ ، أو السجود على العذرة اليابسة وغيرها من الفتاوي العجيبة والآراء الغريبة(31). والأغرب تسليم سائر علمائكم لتلك الآراء وعدم نقضها ، ولكنهم يطعنون في رأي أئمة أهل البيت (ع) ، ويتجرءون على ردهم ، والتجاسر على رمي شيعتهم الذين يتبعونهم بالكفر والشرك ، وربما أفتوا بجواز قتل الشيعة وإباحة أموالهم ، فبهذه الفتاوي والأعمال يضعفون جانب الإسلام ، ويعبدون الطريق لسلطة اليهود والنصارى على رقاب المسلمين وبلادهم .
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوحد بين المسلمين ويؤلف قلوبهم ويلقي بيننا وبينكم المودة والمحبة إنه سميع مجيب
المصدر كتاب ليالي بشاور
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]
-----------------------------------