عندما يموت الضمير
في أجمل سمفونية عزفها الحُب والعطف والحنان والأمان ، ترعرعت مريم الطفلة الكبرى لأختٍ تصغرها بعام واحد . ووجود الأختان معاًَ دون ثالث معهما قد أضاف للسمفونية جمالها ، فـ حضيا بتربيةٍ سليمة لاسيما توفير جميع متطلباتهم ، فقد كانت الأمور أشبه بحلم يسري في ليلٍ طويل. وقد عاشت في أسرةٍ محافظة ، تعتنق الإسلام ديناً ، ملتزمةٍ بما جاء فيه من مبادئ وأحكام وأخلاق .
وعندما أوشك الحلم لأن يبدأ لتحقيق بما يصبو إليه والديها لأن تصبح دكتورةً بالمستقبل ، وفي صفوفها الأخيرة لإكمال دراستها الثانوية ، قد كانت الإختان بحاجة إلى وجود جهاز الحاسوب بالمنزل لتوفير الوقت والجهد بما يكفي لدراستيهما ، وقد تمّ لهما ما أرادوا .
تحدثت إلى صديقتها عن ذلك ، وقد طال بهم الحديث ليتضح من مريم عدم رغبتها في الدخول عبر ذاك الجهاز نظراً لما قد سمعت له من أمور منافية لما جاء به الشرع وحرمه ، ولكنها الحاجة.
وفي المنزل ، كانت مريم تقدم النصيحة دائماً لاختها وتقول لها : يا منال إحذركِ من الجلوس الطويل عبر هذه الشاشة فهي مضيعة للوقت وليس لها فائدة ، فأجلسِ من أجل دراستك فقط يا أختاه . لكنّ منال لم تأبه لذلك ، فهي تحدد وقتاً لدراستها والآخر لجلوسها. ولرُبما قد جرّ مريم الحديث الدائم مع أختها بشأن ما يحدث معها عبر تلك الشبكة ، ممّا يثير الضحك والبهجة لديها فقد كانت منال ممّن يتسلون بالشباب ، وقد كانت تكرر على أختها الدخول لتبحر عبر تلك الشبكة فلا من أحدٍ قد يعلم عمّا يجري فـهي أسماءٌ مستعارة ، من يدري ! .
أصبحت مريم ملازمةً لذاك الجهاز ، لا ريب النزاع الدائم الذي أفزع صمتهما مع بعضيهما بغرض الجلوس . ولم تكن مريم لترى من جيرانها وصديقاتها طيفاً إلا ما قد كان يصاحبها الجلوس عبر تلك الشاشة . وكذلك الكتب الدراسية فلم يكن لها حوزةً لديها، فقد كان شغل شاغلها فتح وإغلاق شاشات المحادثة التي كَثُرت .
لقد قارب العام الدراسي على الإنتهاء ، والإمتحانات قد أوشكت على الإبتداء .وقد زادت الهوة بين مريم وإختها ، وكذلك الحال بينها وبين والديها ، وفيما ترى فـ محتوى تلك الشاشة لم يدع لها فرصة التفكّر فيما يحدث .
وفي يومٍ من الأيام ، وبعد جدال طال مع الإختين ، أغلقت مريم على نفسها باب الغرفة لتستفرد بنفسها الجلوس . وعند التحدث لأول شاب قد أفرغت ما في نفسها لتروي له عدم حُب أهلها لها وأنهم دائموا التفريق بينها وبين اختها الصغرى . ولقد كان موقف الضعف هذا جديرٌ بأن تلهث له الذئاب لتستقبله بحفاوة . فقد كان يسكّنها ويصف لها نفس الشعور الذي يبادله معها .
دامت العلاقة بينها وبين ذاك الشاب ، وهيّ كـ شهريار في أجمل أيامها تستعد دائماً لترسل له أجمل كلمات الحُب وأغانيه وهو الآخر كذلك .
لقد أتمّ الذئب إصراره على رؤية صورتها ، لكنها كانت تمانع في بادية الأمر . ولكنّه ، بدأ يكرر لها إنقطاع العلاقة بينهما ما تمّ ذلك ، فإنّ عدم إيضاح الصورة التامة عنها لديه يفقده بعض ما يريد فالحُب أكبر ثقة تجمعهما . إلى ذلك الحديث ، إقتنعت مريم بتسليم صورها، ولم يكن ليبعده ذلك عن توضيح ما بقلبه – المزعوم - فقد أبدى لها خوفه وغيرته الكبيرتان عليها ،فأرتاحت لذلك فيما أشفق عليها هو ذلك .
أنه يوم ظهور نتائج الثانوية العامة ، قد أصبح الصباح ولم يكن بغريب نتيجة الرسوب تلك ، فلم يكن لأوراق الإمتحان نصيب من كلماتها فكلها كانت ترصد على حبات لوحة المفاتيح في صورة أنغام حُبٍ وغرام لترسلها لـ حبيبها – ذئبها - . وقد لاقت مريم توبيخاً كبير من والدها ، على تلك النتيجة التي أبدت إختفاء الحُلم الذي ينتظره .
وفي هذه الأثناء ، ودون تفكير مسبق ولثقتها العمياء بالذئب . اتفقا معاً على ضرورة اللقاء ببعضيهما فهي لم تعد تستطيع العيش في منزلٍ كـ هذا .
لقد كانت الساعة تشير إلى التاسعة مساءاً ، إرتدت مريم أجمل ملابسها لتظهر من البيت زاعمةً الذهاب إلى إحدى صديقاتها . وصلت في الوقت والمكان المحددين – وليتها لم تصل – فقد كانت تنتظر إبتسامة بريئة وحضن دافئ يضمها ، لكنها رأت ما لم تنسه عينيها طوال عيشتها . ذئاب تلهث جائعة في إنتظارها . لقد كانت فريسة تلك الشبكة ، وقد إعتادت ذلك كل مساء إذ هددها بالصور التي تجمعهما معاً والأخرى التي استلمها.
عاشت بلا قلب ولا عقل يتدبر ، فقد أدركت مؤخراً بأن الخطأ يجرّه أخطاء ، وبأنه من دقّ أبواب الناس يُدق بابه .
ولكنني أقول:
إستعرتم أسمائكم .. فهل إستعرتم ضمائركم !؟
تحايا /
رسم السطور