العلماء يُخطون الخطوة الإيجابية، ويقفون الموقف الرسالي الذي يريدون أن يؤمّنوا من خلاله موقفهم بين يدي الله سبحانه وتعالى، فتنقلب الخطوة على بعض الألسنة إلى مؤامرة، إلى ضعف، إلى اهتزاز ثقة، إلى جبن، إلى آخر هذه الكلمات الهُراء.
أنا أقول بأن إسقاط العلماء مطلب أمريكي، فصل الجماهير عن فقهائها وعلمائها مطلب أمريكي تُوظّف له الميزانية الضخمة، فالمخلصون يجب أن لا يقعوا على خطّ واحد مع خطّ الإرادة الأمريكية. ينطلق البعض من إخلاص لكن مع سذاجة على هذا الخط ولو وعى أنه يحقق الإرادة الأمريكية لما فعل، ولكنه في الخارج يحقق الإرادة الأمريكية بفصل الأمة عن علمائها، وما نجحت هذه الأمة في يوم من الأيام، وما وقفت الموقف الرسالي الصامد الصادق الذي لا ينتهي إلى مؤامرة على الأمة، ولا ينتهي إلى بيع الأمة، ولا ينتهي إلى تسلق المواقع الكبيرة الدنيوية إلا بارتباطها بالعلماء.
اعطوني بلداً واحداً سنيّاً أو شيعيّاً كانت المواجهة فيه للاستعمار وكان فيه الموقف الرسالي الصامد، وكان توجه الحركة فيه لله وحده أريد بلداً واحداً كان له هذا الأمر كلّه وكانت حركته مرتبطة بغير خط العلماء؟ أبداً، لن تجدوا بلداً واحداً، مصر، الجزائر، تونس، المغرب، إيران، العراق، كل البلاد الإسلامية كان العلم الإسلامي المرفرف فيها، وكانت العزة، وكان الإباء إنما يرافق حركة العلماء، وكان الصفاء والصدق إنما هو في صفّ العلماء دائماً.
إما أن لا أكون مخلصاً حتى أُصفِّق كلما صفّق الشارع، ولا أكون مخلصاً إلا إذا كلما نادى منادٍ ناديت، فهذه سذاجة، وهذا فرض محال على العلماء الذين يمتلكون من العقلية الفقهية، والعقلية الموضوعية ما يكفي.
كان اللقاء مع الملك لبيان خطورة الموقف، وما استتبعه من قلق عميق عند العلماء أولاً، وعند الشعب عامة، وكان هو هذا المطروح، وارتباط ذلك كلّه بتقرير البندر، على أننا لم نعوّل في بياننا على تقرير البندر بقدر ما عوّلنا على لغة الواقع، وأن لغة الواقع في نظرنا أكبر من قرار البندر، وما قرار البندر إلا واحد من شواهد ليس هو أعظمها.
كنا نطالب بطمئنة حقيقية عن طريق لغة الواقع ومعالجة الملفات العالقة، أما كم يتحقق من هذا؟ وهل يتحقق شيء أو لا يتحقق شيء أصلاً فهذا موقف الآخرين، وأنت تواجه المشاكل بآليات، وأساليب تنطلق من واقعك ومن حجمك، وإن كان حجمك كبيراً وواقعك عملاقاً ولكنه الواقع والحجم الذي لا يلغي حجم الآخرين، ولا واقعهم الكبير. وعندك العقل، وعندك الحكمة، وعندك قواعد الدين، وعندك الحرص على وحدة الوطن وسلامة المسلمين، وإننا لأحرص على أوضاع المسلمين من كل الفئات الأخرى على أن هذا الحرص لا يصرفنا عن المطالبة بالحقوق.
أقول: نحن نتطلع إلى أن يكون هناك موقف إيجابي من حضرة الملك بالنسبة إلى مسألة تقرير البندر على أننا نعتبر ذلك اللقاء خطوة على هذا الطريق وليس كلما يمكن أن يكون، وليست هي الخطوة الأولى والأخيرة، وليس هو اللقاء الأول والأخير في هذه المسألة... لا يوجد حزب، ولا توجد طائفة، ولا توجد أي جبهة، حتى الجبهات التي تقاتل بالسيف لا توجد جبهة منها تُعطِّل الحوار، نحن لا نخوض حرباً حمراء مع الدولة، نحن نخوض صراعاً سياسيا مع الدولة، ونريد لهذا الصراع السياسي أن يتحول إلى تفاهم سياسي، موقف الدولة يفرض حالة من الصراع السياسي، موقفنا يتّجه إلى أن نخرج من حالة الصراع السياسي إلى حالة التفاهم السياسي الذي فيه عدل الشعب، وفيه الاعتراف بكرامته وعزّته.
مطلوب في قضية البندر أن يُكشف اللغز، وأن يُجلّى عن منطقة ما تحت الثلج في هذه القضية، ذلك لا لتأجيج الأوضاع وإنما للاقتراب بها من حالة الأمن والاستقرار والأخوّة الصادقة.
العلماء يطالبون النظام بالإصلاح، ولا يخوضون صراعاً أحمر معه، ويميلون جداً إلى أن تكون الحالة حالة حوار وتفاهم لا يُظلم فيها الشعب، في الوقت الذي لا يمكن أن يمثّل العلماء شرطة النظام، أو أن يكونوا الناطق الرسمي عنه، وأن يقوموا بالدور الذي يعجز عنه رجل المخابرات ورجل الشرطة.
أما الذين يرمون العلماء بمثل ذلك فحاسبهم الله حساباً يستحقونه ما لم يعدلوا عن هذا العدوان.
موقع مكتب البيان ــ 4/11/2006م