كانَ الوقتُ مساءً والشمسُ قد أرهقها المشهدُ الكئيبُ ، وأثقلَ خُطاها مسيرُ ذلك اليوم الثّقيل ، فراحت تتوارى خلف اُفق الصحراء ، وتبتعدُ عن رحابِ الارضِ لئلاّ تشهد الكارثة والمأساة ، ولتتركَ الأرض للقمر في ليلته العاشرة يرافق الحسين (ع) ويشهد دعاءه ، ومناجاته . وقُبيل المغيب وقف الحسين (ع) في أصحابه وأهل بيته (ع) خطيباً لِيُخْبِرَهُم أنّ القوم لا يُريدونَ قتل غيره ، وبوسع كل واحد أن ينسحب تحت جنح الظّلام، وينجو مِنَ القتل، فرفض الجميع ذلك وأصرّوا على القتال والفداء.
جنّ اللّيلُ ، وأرخَى الصّمتُ سدولَهُ ، وهدأَ الطّير والهوام ، ونامَت جفون الخلائق كلّها، إلاّ آل محمّد (ص) وأنصارهم باتوا ليلتهم بينَ داعٍ ومصلٍّ وتالٍ للقرآن ومُستَغْفِر في الأسْحار ، وبينَ مُودِّع ومُوصٍ بأهلِهِ وأبنائِهِ ونسائِه ، فكانَ لهم دويّ كدويّ النّحل ، وحركة واستعداد للقاء الله سبحانه . يُصلحِون سيوفَهُم ، ويُهَيِّئونَ رماحَهُم ، فباتوا تلك اللّيلة ضيوفاً في أحضان كربلاء ، وباتَ التاريخ أرِقاً ينتظر الحدثَ الكبيرَ ، وما يتمخّض عنه ميلادِ الصّباح ، وباتَت سيوفهم ورماحهم أقلاماً تتهيّأ لتخطّ في صفحات التاريخ بمدادِ الدم المقدّس أروعَ فصل كُتِبَ في عمرِ الانسان .